منتديات لهفة ايامي
مرحبا بك بين بساتين وازهار منتدياتنا ورحيق التواصل
وشهدالمحبه والاخلاص
منور بتواجدك معناويسعدنا تواصلك واشتراكك معنا
اتمنى تفيد وتستفيد ولاتبخل علينا بمالديك

لرسول يدعو على قريش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

لرسول يدعو على قريش

مُساهمة من طرف عزيز النفس في الجمعة مارس 24, 2017 10:38 pm

كان رسول الله ينتهج منهج الحِلْم والرفق والصبر إلى آخر مدى، وكان يُوَسِّع صدره إلى درجة لا نستوعبها في كثير من الأحيان، ولم نرَ منه دعاءً على قريش وبعض أهلها إلَّا عندما ألقوا فوق ظهره سلا الجزور، وقد حدَّد أسماء سبعة دعا عليهم، وقد وَضَّحْتُ قبل ذلك أن هذا كان بوحي من الله سبحانه وتعالى؛ حيث إن هؤلاء السبعة ماتوا على الكفر جميعًا، أمَّا الآن فرسول الله يشعر أن قريشًا قد تجبَّرت أكثر من الحدِّ المقبول، وصارت تفتن الناس عن دينهم، وقد تطوَّر الأمر إلى محاولة وأد الدعوة في داخل مكة، فلا يسمحون لأحد من خارجها أن يسمع عنها شيئًا، وقد رأينا موقف قريش مع الطفيل رضي الله عنه؛ حيث أمروه ألَّا يسمع محمدًا صلى الله عليه وسلم، ورأينا موقف قريش مع أبي ذرٍّ رضي الله عنه حيث ضربوه ضربًا كاد يُفضي إلى موته لولا أن العباس منعهم من ذلك خوفًا على تجارتهم إلى الشام.

لقد غيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم استراتيجيته بناءً على ذلك، ورفع يده إلى السماء يستعين بربِّ العباد على قريش الظالمة!

ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

فلنقرأ هذه القصة التي تُوَضِّح ذلك، وقد جاءت بألفاظ مختلفة، وهذا لفظ الإمام مسلم:

عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللهِ -ابن مسعود- رَجُلٌ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}[الدخان: 10]، قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فقال عبد الله: مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا، أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا. فَقَالَ: «لِمُضَرَ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ». قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}[الدخان: 15] قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}[الدخان: 10، 11] {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}[الدخان: 16] قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ[1].

وفي لفظ البخاري تفصيلات أخرى:

عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قَالَ: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ». فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}[الدخان: 10] إِلَى قَوْلِهِ {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}[الدخان: 15، 16]، «فَالْبَطْشَةُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ»[2].

وعَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ»[3].

والدخان هو ما نحن بصدد الحديث عنه، واللِّزام فسَّره ابن مسعود رضي الله عنه في حديث آخر بقوله: «وَقَدْ مَضَى {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}[الفرقان: 77] وَاللِّزَامُ: الْقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ»[4]. لذلك قال أيضًا: «مَضَى اللِّزَامُ وَالْبَطْشُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمَضَى الدُّخَانُ وَالْقَمَرُ وَالرُّومُ»[5]. أمَّا الروم فهي آية الإخبار بنصر الروم بعد هزيمتهم من الفرس، والبطشة هي -كما في الحديث- يوم بدر، وأخيرًا القمر يعني انشقاق القمر الذي حدث قبل ذلك بسنوات في مكة.

ولنأتِ إلى قصة الدخان:

لقد رأينا في هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَدْعُ على فرد بعينه؛ بل دعا على قريش كقبيلة، وقد استجاب الله لدعائه، وبلغ الجهد منهم كلَّ مبلغ، وقد تكرَّر منه صلى الله عليه وسلم الدعاء عليهم بعد ذلك عندما هاجر إلى المدينة؛ لكني أُرَجِّح أن هذا الدعاء السابق وقصة الدخان قد حدثت أثناء المرحلة المكية؛ لأن أبا سفيان بن حرب هو الذي جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يسأل ربَّه أن يرفع هذا البلاء عنهم، ومن المعلوم أن أبا سفيان لم يذهب إلى المدينة قبل إسلامه إلَّا مرَّة واحدة قُبيل فتح مكة؛ لكي يحاول مدَّ أجل صلح الحديبية بعد خيانة بني بكر وقريش للعهد، كما سيأتي عندما تصل بنا الأحداث إلى هذه الفترة، أمَّا قبل ذلك فلم يأتِ أبو سفيان إلَّا محارِبًا في أُحُد والأحزاب؛ وعليه فإن أبا سفيان قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأله ذلك أثناء مرحلة مكة، ولم يكن ذلك في أوائل الفترة المكية؛ لأن الرواية تذكر إبطاء قريش وإدبارهم، ولم يكن هذا في المرحلة المبكرة؛ حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذرهم ويدعو لهم لا عليهم، أمَّا الآن فقد تأزَّم الموقف جدًّا حتى صار الرسول صلى الله عليه وسلم مضطرًّا إلى فعل شيء لا يحبُّه في المعتاد، وهو التضييق عليهم في معاشهم ومطرهم.

وأتوقَّع أن تكون السَّنَة المقصودة في وصف ابن مسعود رضي الله عنه هي السنة الحادية عشر من البعثة، التي نحن مقبلون عليها الآن؛ حيث إن الحالة الصعبة التي مرَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في أواخر العام العاشر تُناسب إقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعاء بهذه الصورة على قريش بكاملها.

ويلفت النظر بالطبع في هذه القصة مدى قناعة المشركين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم لم يُفَسِّروا القحط الذي أصابهم بأيٍّ من الأسباب المادية المعتادة، التي يمكن أن تحدث لقوم يعيشون في الصحراء؛ بل ربطوها مباشرة بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، ومع ذلك لم تتحرَّك قلوبهم للإيمان.

كان هذا الدعاء هو القرار الأول الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة.

أمَّا القرار الثاني فكان الهجرة الجماعية الكبيرة لعدد ضخم من الصحابة من مكة إلى الحبشة؛ وذلك لتجنُّب صدام قريب متوقَّع قد يعصف بالفئة المؤمنة، ويُوقِف مدَّ الدعوة في مكة وخارجها، فجاء الأمر واضحًا دون تردُّد، ونفَّذ هذه العملية قرابة المائة من الرجال والنساء، ولعلَّ هذا الرقم كان يُمَثِّل نصف القوَّة الإسلامية في هذا الوقت.

وسنتناول أحداث هذه الفترة بالتفصيل والتحليل في قسم هجرة الحبشة الثانية والله ولي التوفيق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

[1] مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، (2798).

[2] البخاري: كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، (962).

[3] البخاري: كتاب التفسير، سورة الفرقان، (4489)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، (2798)، واللفظ له.

[4] تفسير عبد الرزاق 3/15.

[5] النسائي: كتاب التفسير، سورة الفرقان (11374).

د.راغب السرجاني
avatar
عزيز النفس
Admin

المساهمات : 20
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/03/2017
العمر : 26
الموقع : جدة

http://passion-ayami.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى